السيد عباس علي الموسوي
172
شرح نهج البلاغة
جاها ولم يخدم به عباد اللّه ويقضي حاجاتهم . . . ( واعلم أن أفضل المؤمنين أفضلهم تقدمة من نفسه وأهله وماله فإنك ما تقدم من خير يبق لك ذخره وما تؤخره يكن لغيرك خيره ) هذا مقياس عظيم يضعه الإمام وعلى أساسه يكون التفاضل ، فأفضل المؤمنين من قدم من نفسه جهادا وعطاء إلى خير المجتمع ورفاهيته وأفضلهم من قدم من أهله فجعلهم أبرارا أوفياء وقدم من ماله في سبيل اللّه ومن أجل الفقراء والمساكين والأيتام ثم علل ذلك بأن ما يقدمه من خير بأي وجه من الوجوه تبقى له منفعته يوم الدين يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى اللّه بقلب سليم . وأما ما تؤخره وتدخره ولا تخرجه في حياتك فإنه يكون لغيرك يتمتع به ويتلذذ بما تعبت أنت فيه فإن كان صالحا أنفقه فيما ينفعه في آخرته وإن كان شقيا صرفه في معصية اللّه وكنت معينا له على ذلك والعاقل من نظر لنفسه وعمل لها . . . ( واحذر صحابة من يفيل رأيه وينكر عمله فإن الصاحب معتبر بصاحبه ) احذر أن تتخذ صاحبا يكون فاسد الرأي ضعيفه ومع ذلك سئ العمل تنكره الناس عليه وعلل ذلك بقوله : « فإن الصاحب معتبر بصاحبه » وفي المثل قل لي من تعاشر أقل لك من أنت وقد يستدل على صلاحك بعشرتك للصالحين وبفسادك لمصاحبتك للفاسدين . . . ( واسكن الأمصار العظام فإنها جماع المسلمين واحذر منازل الغفلة والجفاء وقلة الأعوان على طاعة اللّه ) أمره أن يسكن المدن الكبرى فإن فيها اجتماع المسلمين وكثرتهم وفيها عادات الناس وتقاليدهم من أصغر الأمور وأحقرها إلى أعلاها وأعظمها فتأخذ العبرة منهم والحكمة . وللمدن ميزات عدة منها خلوها من العشائرية البغيضة ومنها أنها محل العمل والارتزاق أكثر من أي مكان آخر ومنها أنها ملتقى الثقافات والحضارات فيرى الإنسان فيها ما لا يرى في القرى ومنها أن فيها رفاهية العيش وملذات الحياة وهكذا كما وأنه يقابلها مفاسد كثيرة والعاقل من يستطيع أن يميز بين الخير والشر فيأخذ طريق الخير ويهجر طريق الشر ثم حذره أن يسكن في الأماكن التي توجب الغفلة عن ذكر اللّه وعن عبادته وطاعته ولا يكون فيها أعوان وأنصار يشدون أزره في طريق اللّه . . . ( واقصر رأيك على ما يعنيك ) ليكن همك ما يعنيك من شئونك فاحبس نفسك عليه ولا تنظر إلى ما لا يعنيك فتكون متطفلا ممقوتا . . . ( وإياك ومقاعد الأسواق فإنها محاضر الشيطان ومعاريض الفتن ) نهاه عن الجلوس